رغم
من أن الفراق هو الأصل في الحياة، لكن الإنسان الذي تكيف مع ظروف الطبيعة على مدار
أحقاب وجوده على سطح كوكب الأرض لم يستطع التكيف مع هذا الإحساس القاسي. فكم هو قاسياً
أن تشعر في لحظة أنك أصبحت وحيداً بدون الإنسان الذي جعل للحياة معني، وصبغ لونها
الرمادي بالبهجة والسعادة. أن تقف مشدوهاً أمام حقيقة لا تقبل الشك لكنها أصعب من
أن تصدقها، فقط لأنه الإنسان الوحيد الذي استطاع أن يحرك في القلب سواكن ما كانت
لتتحرك بدونه. لأنه الإنسان الوحيد الذي حين رحلت عنه... نسيت شيئاً معه.
--------------------------------------------------------------------------
تشبثت
بيده في عنف، وبدت أنفاسها لاهثة، ثم ما لبثت أن تراخت قبضتها، وانكسرت نظراتها
وقالت بصوت تخنقه العبرات:
- أكنت سترحل .. بلا وداع ؟!
فوضع حقيبة أغراضه فوق أرض الميناء، وراح يحدق في موج البحر المتلاطم تارة، وتارة أخرى يرسل نظراته لتعانق الأفق البعيد المتخاصر وأطراف الغيوم الرمادية في محاولة لتحاشي النظر في عينيها الدامعتين.
لكن صمته الحائر كان يموج بحبه الجارف لها، ويفصح عما يُخالج نفسه من عاطفة جارفة جياشة توشي بمكنون صدره وما يطويه القلب من أسرار.
سافر بعيداً وقريباً بنظراته حتى استقرت أخيراً في عينيها المُسهمة نحوه، أحس بأن بريق دموعها يعلو فوق انعكاس الضوء على جانب الباخرة، وأن العالم قد خلا من أهله، وأن الأرض تميد به.
- أكنت سترحل .. بلا وداع ؟!
فوضع حقيبة أغراضه فوق أرض الميناء، وراح يحدق في موج البحر المتلاطم تارة، وتارة أخرى يرسل نظراته لتعانق الأفق البعيد المتخاصر وأطراف الغيوم الرمادية في محاولة لتحاشي النظر في عينيها الدامعتين.
لكن صمته الحائر كان يموج بحبه الجارف لها، ويفصح عما يُخالج نفسه من عاطفة جارفة جياشة توشي بمكنون صدره وما يطويه القلب من أسرار.
سافر بعيداً وقريباً بنظراته حتى استقرت أخيراً في عينيها المُسهمة نحوه، أحس بأن بريق دموعها يعلو فوق انعكاس الضوء على جانب الباخرة، وأن العالم قد خلا من أهله، وأن الأرض تميد به.
أعادة عليه نفس السؤال، شعر بأنه كالفأر المُطارد لا يقوى على تحريك لسانه للرد
بكلمة واحدة، لكنه تحامل على نفسه، وراح يتطلع إلى السماء المتشحة بالغيوم، ثم
أشار إليها هامساً بنبرة تختلط فيها نشوة الرحيل بالحب العميق:
- انظري إلى تلك الطيور .. كلٌ إلى موطنه يعود.
فصرخت في وجهه بصوت ذليل يائس:
- أنا وطنك.. أنا زوجتك.. أنا حبيبتك.. أنا......
- انظري إلى تلك الطيور .. كلٌ إلى موطنه يعود.
فصرخت في وجهه بصوت ذليل يائس:
- أنا وطنك.. أنا زوجتك.. أنا حبيبتك.. أنا......
لكنه كان قد استدار موليا وجهه شطر راحلته الرابضة كأنها في انتظاره منذ عقود،
يلاحقه صوتها الصارخ، بينما يدفع به قلبه المُفعم بالحنين إلى وطنه.
دلف إلى الباخرة لا يرى شيئاً من فرط إحساسه بهذا الذنب الذي اقترفه في حقها، بقى غارقاً في خواطره، وأفكاره؛ حتى تذكر تلك الصدفة التي جمعته بها في أحلك الظروف، وفي بلد المهجر، وكيف أنها شغفت بحبه فأغدقت عليه عواطفها وأحاسيسها بسخاء قبل أن يربطهما الزواج فتقف بجانبه وتحول يأسه وفقره المدقع إلى نجاح وشهرة رجل أعمال مرموق.
لكن الرحيل دق أبوابه، وراحت رغبته في العودة إلى وطنه ترسم له المبررات وتخبره بأنه ليس هناك مفر، فانصاع لها كأنه مدفوعاً في حياته كلها بقوة غير شعورية.
انتفض فوق مقعده حين دوىَّ نفير الباخرة، أخرجه مما كان غارقاً فيه من خواطر وذكريات وانفعالات حادة تداخلت في عشوائية. فتنبه غير واعِ إلى قسوة ما هو مُقدم عليه. ضرب رأسه براحته وراح يقاوم طوفاناً جارفاً من الدموع الحارة متمتماً بسؤال حائر:
- كيف أبحث عن وطن.. ووطني في عينيها؟
واندفع مهرولاً نحوها تاركاً كل شيء خلفه، حالماً أن يسابق اللحظات فيحتويها بين ذراعيه، ويبوح لها بما أخفى من حب عميق لها حالت شرقيته قبل ذلك دون البوح به.
وحين وصل؛ لم يجدها وإنما وجد نفراً من الحراس قد تجمعوا مكانها وراحوا يحدقون في الماء،
وعندما سألهم عن الخطب؟ أخبره أحدهم أن هناك غريق.
دلف إلى الباخرة لا يرى شيئاً من فرط إحساسه بهذا الذنب الذي اقترفه في حقها، بقى غارقاً في خواطره، وأفكاره؛ حتى تذكر تلك الصدفة التي جمعته بها في أحلك الظروف، وفي بلد المهجر، وكيف أنها شغفت بحبه فأغدقت عليه عواطفها وأحاسيسها بسخاء قبل أن يربطهما الزواج فتقف بجانبه وتحول يأسه وفقره المدقع إلى نجاح وشهرة رجل أعمال مرموق.
لكن الرحيل دق أبوابه، وراحت رغبته في العودة إلى وطنه ترسم له المبررات وتخبره بأنه ليس هناك مفر، فانصاع لها كأنه مدفوعاً في حياته كلها بقوة غير شعورية.
انتفض فوق مقعده حين دوىَّ نفير الباخرة، أخرجه مما كان غارقاً فيه من خواطر وذكريات وانفعالات حادة تداخلت في عشوائية. فتنبه غير واعِ إلى قسوة ما هو مُقدم عليه. ضرب رأسه براحته وراح يقاوم طوفاناً جارفاً من الدموع الحارة متمتماً بسؤال حائر:
- كيف أبحث عن وطن.. ووطني في عينيها؟
واندفع مهرولاً نحوها تاركاً كل شيء خلفه، حالماً أن يسابق اللحظات فيحتويها بين ذراعيه، ويبوح لها بما أخفى من حب عميق لها حالت شرقيته قبل ذلك دون البوح به.
وحين وصل؛ لم يجدها وإنما وجد نفراً من الحراس قد تجمعوا مكانها وراحوا يحدقون في الماء،
وعندما سألهم عن الخطب؟ أخبره أحدهم أن هناك غريق.

0 أضف تعليقاً:
إرسال تعليق