21‏/04‏/2008

ديمومة العشق في زمن الرحيل



راحل أنت يا قلبي.. إلي آخر حدود الكون، راحل وزادك حبها الساكن في جوفك.. النابض في روحك.. الصارخ في أبعاد الرحلة، ولكن.. هل يشفي الرحيل غليل المرتحل؟ أم أنك تنتقم منها.. ومني.. ومن نفسك؟ تكابد ديمومة عشقها القابض علي خلجاتك، وخفقاتك، ونبض عروقك الرادخ للحقيقة.


تعاني ويلات بعادها، وصلابتها، وعنادها، وقسوتها عليك.. وعليّ.. وعلي نفسها. أرح نفسك.. وأرحني.. وأرحها فحبها سرمدي الوجود في أحشائك، وكأنك من يوم خُلقت وأنت تبحث عنها، تبحث عن مُحتلك.. عن سجانك.. عن جلادك ولا تدري أنها أخذتك سجنها، ومُحتلها، وجلادها فصارت سجن داخل سجن.. وجه يًطل من خلف القضبان، ينادي.. يتوسل.. يصرخ... لا تستعجل الرحيل.


لكنك حين الفت.. لم تر أحداً فرميت حقيبتك وجلست مكانك حتى انقطع طريق العودة، فلا الرحيل كان.. ولا استطعت للرجوع سبيلا.


من حقك أن تحترق شوقاً لرؤياها.. أن تنحي الواقع جانباً وتهيم علي وجهك في بلادها البعيدة تبحث عنها.. ولكن... كيف تبحث عن وجه لا تعرفه؟ وعيون لا تراك.. أو تراني.. أو تري نفسها؟

 فيا قلبي، وحبيبي، وفرحي من الدنيا.. هل تسعد حين تراني أحترق دونك؟ أم أن راحتك في بقائي هكذا أشتاق إليها للأبد حتى أموت على قدماي كالنخيل؟


ليتني أستطيع أن أقبض على كتفيها.. انظر في عينيها بعمق قبل أن اصرخ بكل ما يود أن ينطلق من قلبي ثم أموت بعد ذلك.. لا يهم .. وفي أحضاني صورتها.


14‏/03‏/2008

شيء اسمه المستحيل


وسط سكون مهيب.. فتحت عيني لكني ألفتها مازالت مغمضة، لا ترى سوى ظلام دامس يلف كل شيء حولي. توهمت أنها ظلمة المكان أو ظلمة الزمان، قمت متخاذلا فأشعلت شمعة جعلت تتلألأ بضوء ساحر كجندي أعزل يحارب وحده جيش من فضاء معتم، بيد أني تنبهت أن الظلام لم يكن ظلام المكان أو الزمان فحسب؛ بل أن عتمة ما بين لحمي ودمي فاضت لتعلوا فوق ظلمات العالم بأثره.
وجدتني هائماً بذكريات جميلة حلقت بي فوق نجوم السماء، قبل أن يرتشق خنجر الواقع فجأة بين أحشاء قلبي ليوقظ غفلتي.

 تنبهت غير واع ِ إلي غبشة ما استطاع ضوء الشمعة الضئيل أن يظهره، اكتشفت أني سجين داخل جسدي المفلس اليائس الضعيف، رَنت عيناي نحو الأعلى ورحت أتضرع إلى الله أن يمنحني القوة، لكن أي قوة كنت أشتهي؟ قوة العقل..؟يالتعاستي وشقائي؛ خلقه الله حصيفاً كاملاً متكاملاً بلا اعوجاج ثم أطلب منه المزيد، بينما روحي خراب ينعق فيه البوم، وحواسي مفلسة، وقلبي.. أوهن من بيت العنكبوت.


أطلب منه قوة العقل بينما أنا سجين داخل جسدي أتعني من فراغ الأيام ووحدة الليالي الطويلة، محاط بحب المستحيل، وبكل صنوف اليأس التي من شأنها أن تمنحني أقوي احتمالات السقوط، محاط بكل ما هو خليق أن يجعلني عن عمد أحرر روحي من براثن هذا الجسد الثقيل لتحلق في أجواء عالم لا تدركه الأبصار.


كنت أغفوا وأفيق، ثم أعود فأغفوا وأعود لأفيق.. مراراً وتكراراً، كل مرة كنت أنسحب في دوامة هائلة ليس لي سبيلاً للفكاك منها فأسلم لها نفسي سريعاً لأنزلق في بحر لجي من ذكريات الماضي البعيد تارة، وتارة أخري أسبح بين أحداث ساعات مضت. 


تلاطمت الخواطر كأنها موج بحر هائج تحت عنفوان عاصفة.. وراحت تتحطم الواحد تلو الأخر في مشهد سقوط دموي لم أر مثيلاً له من قبل حتى انهار الجميع إلا واحداً ظل شاخصاً متحديا الانكسار كفارس مدججاً بسلاحه، رابضا خلف الواقع.. عند أخر حدود التصور.

هو الحب الذي يعتمل في كل ذرة في جسدي، ويسبح مع كل قطرة من دمي. الحب اليائس الذي كثيراً ما يداهمني كمارد جبار لا تقوي روحي الخربة ولا حواسي المفلسة أن تجابه سلطانه وسطوته التي فرضها عليّ منذ أول يوم رأيتها فيه سابحة بين مجريات أحداث أحلامي، فكأني كمن ضل طريقه في البيداء وظل كالمجذوب يبحث عن شيء لا يعرفه.. وحين وجد صوب ناظريه واحة ضرب رأسه براحته صارخاً.. لقد كنت أبحث عن واحة، ثم اندفع إليها ليجدها كالعادة.. سراب يحسبه الظمآن ماء، فسقط مغشياً عليه أقرب للموت منه إلي الحياة.


انبلج الفجر سريعاً، وفاض الضوء شيئاً فشيئاً ليبدد ظلمات العالم ويعلوا فوق ضوء الشمعة التي كانت في تلك الأثناء تعالج سكرات الموت بعدما أنهكها الصراع، لملمت جناحاي وعدت إلي أرض الواقع لأجدني أمام جيش من الأسئلة، رابضة عند طرف النهار حائرة، انهالت عليَّ من كل حدب وصوب وأنا عاجزاً عن رد هذا الهجوم المباغت.

هربت إلي بعض ساعات نوم لتساعدني في مواجهة يوماً جديداً أحياه معصوب العينين بالوهم، تدور قدماي حول بعضهما البعض وفي وهمي أني أندفع.. أطوي المسافات إليها عبثاً، وكأنها شيء اسمه المستحيل...أو هي المستحيل ذاته.



06‏/03‏/2008

أحزان شجرة الليمون



في الأصل كان السؤال.. والإجابة عدم، حتى وإن طال المقال فالقول قتل.. والقتل دم.
تتحاشاني، تتواري عن عيوني، تتأفف من جراحي.. والجرح همّ.. همّ يطول أو ينتهي، يتعاظم أو يموت.. فمن يهتم؟ تراني كالطير سابحاً في ملكوتي أغني ولا تدري.. إن كان لفرح يجتاحني أم لألم؟


فيا غريباً طاولت يداه غريب، قالها أمرؤ القيس يوماً.. كل غريب للغريب نسيب.. هل تحلم أن تراني ضائعاً؟ أن تراني راحلاً؟ أن تري شمس عمري تغيب؟ هل تحلم أن تلملم جراحك وعلى جراحي تعيب؟ ألا تدري أنك فرحي من دنيتي وهمي؟ ألا تدري أنك أعتي هواجسي وظني؟ ألا تدري أنك في حياتي شيئاً عجيب؟


ويبقي في الأصل السؤال، والإجابة عدم.. فمن أكون أنا أو أنت في تاريخ الأمم؟ صوت تحرك من قلب لفم؟ أم كلمة صماء يفهمها عرب وعجم؟ من أنا أو أنت في هذا الملكوت؟ قلب تحرر، وآخر يموت؟ شرك بناه فراشاً ليسقط فيه عنكبوت؟ أم حلم كتب الحياة بنغم؟


ألا ترى أحمالي وأثقالي؟ وعجيب دنيتي وغريب أفكاري؟ ألا ترى كم قتل جيش لا... من جيش نعم؟ ألا ترى أني غريباً في المكان، مسافراً في الزمان؟


قل أني واهماً.. حالماً.. أو حتى مجنون، قل أني جاهلاً معصوب العيون.. ولكن قل لي: هل جربت الموت في سكون؟ هل وضعت يداك على سر مكنون؟ هل عرفت يوماً أحزان شجرة ليمون؟ 


من أنا أو أنت في هذا الكون الفسيح؟ قلب جارح.. وآخر جريح؟ أم حلم تائه بين تلميح وتصريح؟


أو تدري من القاتل ومن المقتول؟ أو تدري شوق العنقاء، ولهفة الغول؟ أو تدري أين الراية.. وأين العلم؟ أو تدري أنه في الأصل كان السؤال.. والإجابة عدم؟


02‏/03‏/2008

روح .. حائرة







لم يكن يدري أنه سيصير روح حائرة تجيش بأغوارها الأحلام، لم يكن يدري أن الأيام ستعود لتنتقم لِما اقترفه من ذنوب وآثام، لم يكن يدري أن شغائف قلبه الحزين سوف تدفع به يوماً لآتون تلك الحيرة القاتلة، حتى سأم حياته، ومل طول الانتظار..

راح يتمني النهاية، يشتاق إليها حتى وجد نفسه قد مكث في ظل شجيرات عمره العارية، يهرب من شمس أيامه الحارقة.. دون جدوي.

بقايا عمره تلوح له، تخايل عيناه، بينما رفات الإنسانية تسكن صدره، ونفايات الأمل تركض داخل أغواره، نظراته المنكسرة راحت ترحل في ذلك الأفق الممتد الدامي المتخاصر وأطراف الغيوم الداكنة، غافلاً عن روعة أمواج البحر التي تهدر تحت قدميه. 

تذكر يوم أن رحل الحب، وجاء القدر يجثم على قلبه ويطلب منه فراق روحه وأحلامه وكل آماله، لتقف أعباء الحياة بعد ذلك حائلاً بينه وبين من أحب، حتى مرت تلك الأعوام، وفرقت بينهما ملايين المسافات.


عاش يحلم باللقاء، يبحث عن تلك العيون التي غاصت في دوامة الرحيل بلا رجعة، وفجأة..بدأت عيناه ترحلان نحو شيء ليس له وجود، ليشعر أن قدماه تنوءان بحمله، وكأنه شبحاً غاب عن الواقع فغاص في لجة المستحيل، احتواه الشرود كثيراً، وعندما حان التفاته وجدها أمام عينيه.. تنظر نحوه في لهفة كأنها ملاك حط رحاله، واختار حبه الأول سكناً وبيتاً وعنوان. 

بقي ساهم النظرات إليها، هائماً بطيفها الساحر، مسافراً فوق عبيرها الفواح، حتى حثحثت الخطى إليه، وراحت تقاوم دمعة حارة قبل أن ترتمي في أحضانه قائلة بصوت مشروخ تتخلله بحة تنطوي على مزيج من الحزن والألم:
- أتلك هي نهايتك؟ روح حائرة؟انقبضت أسارير وجهه، وراح الحنين يطل من صوته الهامس:-  بدونكِ.. كل شيء حائر، الدنيا كلها في عيني حائرة بلا هدف.فملأت صدرها بنسيم البحر قبل أن تتساءل:-  والآن؟عرفت بسمة مهاجرة طريقها إلي شفتيه قبل أن يتمتم :-  والآن.. أنا لا أصدق أنكِ بين ذراعاي، لا أصدق أنكِ هنا، لا أصدق كيف أن حبك لم يغادر مرفأ قلبي، لا أصدق أني مازلت أحبكِ كل هذا الحب، أشتاق إليكِ كل هذا الشوق، لا أصدق أن تلك السنوات التي مرت لم تغير ساكناً داخلي، لم تغير صورتكِ في عيني، الآن أنا لا أصدق أني أتنسم عبيركِ مرة أخرى.. أحلم هذا أم حقيقة؟
فتسللت من بين ذراعيه، وعادت إلي الوراء. ظلت تتطلع إليه بنظرة من أخذ منه الشوق مأخذاً، وبلغ به الحب مبلغاً، ثم ابتسمت قائلة:-  بالطبع حلم....

فعاد من شروده، وراح يتلفت حوله مستفرداً، مستوحشاً، يتراقص الهواء في صدره، والماضي في قلبه، قبل أن يمضي حائراً.. تجيش بأغواره أحلاماً.... لن تتحقق.


27‏/02‏/2008

أحلام على باب القمر



عجباً لك يا قلبي..!
كيف وصلت إلي هناك..
وكفك مملؤة بالخرافات..
والأبواب موصدة؟
والأحلام عاريات من كل معاني الأمل..
فما العمل؟
هاجرت كل الأفئدة
والأمنيات السائدة في زمان الزيف..
أوهام على باب القمر

نصيبك من هجير أحلامك سهادِ وسهر
وآلاف الأقنعة
جاحدة.. جاحدة
مرايا فاردة..
أشرعة اليأس في وجهك المشدود على باب السفر
الممدود على وتر
الممهور بأحلام شاردة
باردة.. باردة
امنيات المارد في جزيرة الأقذام
وسراديب الأشهدة..

عجباً لك أيها المهاجر
في بحر بلا شاطيء
وسط أمواج ثائرة
هادرة.. هادرة
رغباتك المكنونة..
وصفاتك المصونة خلف ملامح كاسرة
عجبا فأنت مني.. شيئاً غاب عني..
حلم قتله التمني..
ورغبة الضجر.


26‏/02‏/2008

موسم الهجرة




حينما يخامر قلبه شيء من الهدوء، والطمأنينة.. هدوء المرتحل إلى مصيره المحتوم، وطمأنينة المُهاجر في قفر تيَّه، ونيسه الأفاعي والذئاب، وعالم مليء بأصوات غائمة، قد تنهب منه الطريق، قد تخطف منه راحلته، وتسرق من عينيه البريق، حينها.. هل يستفيق؟


حينما تهتز خطواته كخطوات السكارى، فما يلبث أن يسقط سقوطاً مدوياً بعدما ترك براح طريقه الذي رسمه بإلهام وانعرج إلى دروب حيرى.. فائقة الضيق، يبكي رميم ذكرى ملاك عاش بداخله، وينعي أوهام طاغوط متجبر منمق وأنيق، حينها.. هل يستفيق؟


أقرب الأشياء إلى جسده الممزق قلبه الخائر، وأبعد الأشياء رفيق رآه في أحلامه فتمناه بقربه واحترق شوقاً إليه، أمُاً على صدرها يبكي مراره الأيام، وأباً على أبوابه تستكين غربته، ولكن إذا فريقاً عذبه، وسلب منه الحياة فريق، حينها.. هل يستفيق؟


كل شيء بلا ريب يمضي، وكل شيء يموت.. كل الأشياء بعد العمر إلى ظلام تنتهي، فأين عمره السريق؟ أين رفيق الدرب؟ إن كان أول الفارين منه وقد رآه غريقاً، حينها.. هل يستفيق؟


إليكِ عنه يا مواسم الهجرة، يا دروبه الحيرى.. إليك عنه يا حزن عمره العتيق، وكفى رحيلاً إلى مدائن الأحباب، فمدائن الغريب تفتح ألف طريق، فهل يستفيق؟ أم ستبقى عيناه إلى مثواه مُعلقة بالسماء، ترقب الطيور المُهاجرة من كل جنس، وهو على الأرض جريحاً مهيضاً يرسل زفيراً حاراً.. فلا يعود إليه الشهيق؟