29/10/2012
07/09/2011
لغــز الـ تلات حميــــر
في الزنزانة.. فـــي ذلك العالــم المعـزول عــــن ضجيــج العالـم المعيــــوش، لـم يكن مـن العسير التقاط معـزوفـة تـُـفرغ شحنـة الكبـت الـذي تجمع مثل قطرات المطر فــوق نافـذة زجاجية، وتحول إلـى قطرة كبيرة سقطت فوق قلب مُجرب بالخطوب والنوائب والمحن.. فتحولت إلى ضحكة.. فــوق شفاه لم تكف عن الابتسام في وجـه ملامـح قاتمـــة لحياة جهمـــــــــة....
--------------------------------------------------------------------------
كارو ماشي في العصاري مستـقيم علــى خط سيـــــر
علـــى فيـــن ما حـد داري غيـر تلاتة مـن الحميــــــر
الأول شادد لجــــــــــــــام والتاني باين خبيـــــــــــــر
والتالت شاف فـ المنــــــام إنه ع الكرســـي الوثيـــــر
شافــوا زيطـة وزمبليطــة جنب حيطة .. شيء مثيـر
الأول ابــن العبيطـــــــــة قال دا مولد للشعيــــــــــر
والتاني بص فــ وقـــــــار قال دا موكب للأميــــــــر
والتالت رســم ع البــــــار برواز فيه 3 حميــــــــــر
***
والحميــر فــ الباراويــــز زي الدقيــق فــ الفطيــــر
فيه فطيــر بالمايونيــــــز وفيه فطير مخبوز بجيــر
فيه حمار ع الكرسي نـام مفيش وراه والله خيــــــر
وفيه حمــار واقــف إمـام وفيه حمار خلوه وزيــــر
ولو سألت إيه الخبــــــــر كان فــ جامع أو فــ ديـــر
هيقولك كان فيه وجبـــــر وريحنا يا عم الضميـــــر
دا اللي ينهب م النهيبــــة تبقى عيبــة ع الفقيـــــــر
يلا غور يا ابن الكئيبـــة واخفى منك ليه وطيـــــر
***
آه يا بلد البلوظـــــــــــــة يا غربة بتنادي سفيــــــر
صبيــــــّــة لكنك عجوزة والمالك فيك أجيــــــــــــر
نفسي أقول كتيــر وخايف يكون دا كلامي الأخيـــــر
بصــي شوفي ع الشفايف حلم م الحجم الكبيــــــــــر
قولوا يا ولاد الأفاعـــــــي مين فينا ينفع أسيــــــــــر؟
اللي شرب من كف راعي وللا اللي شرب م البيـــر؟
واما نشف قالوا جرعـــــة واحنا اللي ننام ع الحصير
حـذر فـذر وقول بسرعــة مين هما ال 3 حميــــــر؟
نوفمبر 2010
05/08/2011
جريمة في محراب العدل
حكمت المحكمة،،
بماذا حكمت المحكمة؟
أيها الأوغاد، آهٍ لو أنكم تركتموني أنام، لم أذق طعم النوم منذ البارحة، كنت مشغولاً بكتابة مقال عن حقوق الإنسان. لكنهم انهالوا على الباب المسكين كالجراد، يبدو أنهم قرعوا الجرس أيضاً فاكتشفوا بأنه مُعطل.
يا أولاد الأفاعى، هذا الباب لن يحتملكم، عمره ثلاثون عاماً، جرى عليه حكم القهر وقانون الطوارىء، ارتخت مفاصله، تهدلت مشابك العاشق والمعشوق، الحمد لله أننا استبدلنا الطبلة القديمة منذ أيام. يالوجوهكم الكالحة، الصارمة، الباردة كنسل الخنازير. آهِ لو أنكم تركتموني أنام عشر دقائق، خمس دقائق،.. بماذا حكمت المحكمة؟
منشورات؟ بيانات الحزب؟ مقالات معادية للنظام؟ لمن هذه؟
شيوعي؟ علماني؟ ناصري؟ إخوان؟ أخوات؟.. مصري يا سادة.
قفص الاتهام، وقاضي على المنصة، ولا تعقيب على حكم القضاء.. هكذا قالوا.. إذن آمين، فيبدو أن القضاة في بلدنا موصولون بالوحي،.. وأنا مالي. هل قرأت القضية يا سيادة القاضي؟.. مجنون هو أنا فاضي. سهرة في البريزيانا، تمشية في تراك نادي الجزيرة، غداء في نادي القضاة. حين انتفضتم يا سادة ضربكم الأمن بالمراكيب، فهل تذكر حين وقفت ادافع عنك؟
الرفة حل عبقري، صورة تساوي مجرم، كتابة تساوي برىء، اذن.. حكمت المحكمة،
بماذا حكمت المحكمة؟.. اتركوني أنام يا قضاة الحلاج. مجرم، ولكن وجهيّ العملة صورة يا سيدي،
هل معك حصانة؟ هل لك نفوذ؟ هل تملك الملايين؟.. إذن فهذه عملتك.
وكيل النائب العام سمح لسيادة الضابط أن يدخن سجائر مستوردة، قالوا أن التدخين يدمر الصحة، ويسبب.....، ماذا يسبب؟.. مات أبي في التاسعة والثمانين، وكان يدخن وهو في العاشرة،.. يسبب العمر الطويل؟؟
اطمئن وجدان المحكمة أن المذكور وراء تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر، ولكن....
اخرس يا ملعون، ليس لدينا وقت لمهاتراتك، ستضيع السهرة بسببك، الراقصة الجديدة وسطها ملبن.
اطمئن ضمير المحكمة – هل للمحكمة ضمير؟ – أن المذكور – لأبد وأنه يقصدني أنا – قد قتل عامداً متعمداً ًالشيخ حسن البنا، اذن حكمت المحكمة...
ضحكت، القضبان أيضاً ضحكت، حكمت حكمت.. ولا يهمني، الولدين وأمهم؟ لهم رب، عضو اليمين مستعجل، مبارات الأهلى والزمالك على وشك البدء، عضو الشمال في سابع نومة، لذين الأرز باللبن مع الشياطين. سيادة القاضي.. إن هذا المتهم الماثل أمام عدالتكم.. اختصر مفيش وقت،
شاي في كوب بلاستيك؟ قالوا أن الأطعمة في البلاستيك تسبب السرطان. سرطان سرطان، ضربوا الاعور على عينه.
كيف أصبحت قاضياً يا سيادة القاضي؟.. وانت مالك؟.. واسطة؟ محسوبية؟ كوسة؟.. رائعة هى مع اللحم المفروم، كيلو اللحم بـ 80 جنيه.
سرقوا نظارتي؟.. لا يهم، سرقوا عمري؟.. في داهية، الميزان مائل يا سادة، والعدالة عوراء، في يدها مكيالين، ثلاثة، أربعة، البوليس.. نجمة تساوي ملازم، نجمتان تساوي لواء.. أبوه اللواء فلان.
هل تحطم الباب؟.. المتهم بريء حتى..، اريد النوم يا أولاد الأفاعي،.. أمامك سنوات في السجن، نام برحتك.
آه لو أني أدري بماذا حكمت المحكمة؟.. خمس سنوات؟ عشرة؟ مائة؟ ألف؟.... ولو،
سيضحكون؟.. صوت ضحكاتي سيكون أعلى منهم،
سيحرقون جسدي بالنار؟.. ساخرج لهم لساني،
سيقتلونني؟.. لكني أبداً لن أموت.
16/07/2011
صدى البـــــوح
حين ارتقى صهوة البوح صوتي
عاينتُ في لحظ السامع صدى
أرقتُ ما في قلبي من أشجانٍ فشجاني
أن الطبيب عليل
ظنوه قاتلاً وهو القتيل
دمه المسفوح يُسابق خُطوه
فوق جسرُ الآهات
يرقص مختالاً في طربٍ
ويُغرد مذهواً نشوان
كان يحلمُ بالخلود
فطواه هجير النسيان
***
من قال أن نغتال عصفوراً إذا غرّد
أو نحرم منه الغد
كما حرمونا الأسلاف
من قال أن المرعى تجرد
من أشجار الصفصاف
عـزّ أن يُناجي مُفعماً برفيف المطر
أو يزرع الأمل المنتظر
إن كان يخطرُ فرس الأميرة مختالاً
فعساه يولـولُ
لو جردوه من السرج
***
لملمتُ بقايا البوح في صدري
فلماذا اعتقل الدهر في عيناي الفرح؟
لماذا زرع في صدري ليلُ مُـحلّـك
هذى زهور الفل والليلك
تشدو فوق آلامها البلابل
وتحنو عليها
قطراتُ الندى
فلماذا عاينتً في لحظ السامع صدى؟
***
كلٌ النوارس من فراقٍ إلى فراق
جيشُ الصموت يُحاصرها
والبوح أسرعُ من بُـراق
فحنانيكِ
يا ابنة الغدِ أنا وليد اللحظة
علموكِ الجفو؟
كيف والسماء مازال يغشاها حلم الصفو؟
إن سرق الأمل وجع الانتظار
أو جاز أن يطويني الردى
فهل يذهب بوّحي ...
سُــدى؟
11 نوفمبر 2010
21/06/2011
هكذا أصبحتُ غيري
حائرة أصابعي بين حروف الأبجديات، تحاول أن تستقي منها معنى آخر يقترب - ولو من بعيد - من تلك السراديب التي تضرب نحو أعمق نقطة في قلب أضناه الفراق. تحاول الوصول إلى عبارات واضحة غير ملتبسة على الأفهام لعلها تتمكن من رقاب بضع حروف متراصة تترجم جيشاً من الأحاسيس المتضاربة، والمشاعر المتداخلة.
حائرة أصابعي، وأصعب منها حيرة عقل رسم - ولا يزال يرسم - قصوراً على متن الهواء، ولا يدري أي السبل سوف تؤدي به إلى أبواب هذه القصور، وأيها سوف يلقي به على جرف الموبقات؟
فما أغرب أن يعود الإنسان إلى شواطيء الذكريات بعد رحلة جهيدة في دهاليز الموت ليكتشف أن كل حبة رمل في مكانها، وأن كل موضع حجر على حاله، لكن طيور النورس هاجرت هذه الشواطيء التي كانت يوماً عامرة بكل صنوف العمران، هادرة بأجمل معاني الحياة.
ولأن بعض النفوس الجوانح تصبو إلى أرض الواقع كي تحتفر فيها أساسات مستقبل آخر غير ذلك المستقبل الذي تدفعه المجريات نحو حتمية الوقوع، فإن بعض النفوس الأخرى تجنح إلى خيال مُحال، وأحلام هى أقرب للفرار من الواقع الجهم منها إلى محاولة حصر هذه الأحلام في نطاق الممكن.
ولأن المشاعر والأحاسيس هي الشيء الوحيد الذي خلقه الله تعالى كي نمنحه للآخرين، وجعل البخل بها تحت أي مسمى أو ادعاء يورثها العطن، فإن المنطق يقتضي البوح لا الكتمان، فماء البحيرة سكتنته الطحالب، وصار اجاجاً لا يُحتمل ... أو كاد.
إذن ففيما الغنيمة، ودار المقامة لا نُدركها إلا بالموت؟!
قرأتُ أن رجلاً أقسم ألا يبيت في الدنيا، فأوصوه بأن يبيت في السجن.
وقرأتُ أن الصدّيق يوسف عليه السلام كتب على بابه وهو خارجاً منه .. هذا قبر الأحياء، وشماتة الأعداء، وتجربة الأصدقاء.
وفيما الهموم والدنيا مجون؟ عبثاً ترسم منه الأقدار عجائب حين يحاول العقل المُفلس فهمها فإنه يذهل أمام أبسط هذه المقدرات.
الجد والهزل سواء، السعادة والشقاء سواء، الأمل والقنوط سواء، الحِل والترحال سواء، الضحك والبكاء سواء، السجن والحرية سواء.
قالوا: كم مغبوط بنعمة هى داؤه .. ومرحوم من داء هو شفاؤه.
لا فرق بين النحيب والقهقهة، بين الغنى والفاقة، بين السمو والدناءة، بين الإقبال والإدبار.
وما من شيء يحمل الإنسان على أن يحفل بوجوده أو فناؤه ما دام العدل كالغيّ، والحق كالباطل، والنور كالنار، والهدى كالضلال، في عالم يحمله الإنسان - ذلك المخلوق الضعيف - الذي انفصم عن اليقين بدعوى الاختيار لا الجبر، فظلم نفسه إنه كان ظلوماً جهولا حين نسى أن الظلمات لا تستوي بالنور، ولا الظل ولا الحرور، ولا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون.
لكن آفة العلم أنه مثل الأحاسيس.. لغة عظيمة الثراء، تبحث دائماً عن أبجديات تترجمها دونما جدوى.
وهكذا أصبحت غيري..
هكذا علّقت كلمات محمود درويش على جدار قلبي ..
هل كان علينا أن نسقط من علو شاهق
ونرى دمنا على أيدينا
لندرك أننا لسنا ملائكة كما كنا نظن
هل كان علينا أيضاً أن نكشف عن عوراتنا أمام الملأ
كي لا تبقى حقيقتنا عذراء
كم كذبنا حين قلنا نحن استثناء
لكني مازلتُ عالقاً في فخ اللغة، حائرة أصابعي بين حروفها، عاجزاً عن الوصول إلى مرفأ تهدأ ثائرة أحاسيسي الجارفة على رصيفه حتى لا أجدني مضطراً إلى حذف ما كتبت والركون إلى الصمت .. مثلما حدث كثيراً ساعة كان ينتابني شعوراً بغضب جامح يدفع بي إلى الإقرار بحقيقة مؤدها أن الإنسان هو بعض من النسيان.
والنسيان نعمة .. حتى لا يبقى الأموات حاضرين في ذاكرة الأحياء إلى ما شاء الله، فيحولون حياتهم إلى جحيم لا يُطاق.
24/02/2009
غُصة الكتمان.. ومرارة الإفصاح
تساءلت.. وهي تتأرجح بين غصة الكتمان، ومرارة الإفصاح، كيف تقاوم ذلك الإحساس الذي داهم قلبها وتسرب إليه في خفة؟ كيف تقاوم ذلك الحب الذي يضج في جسدها المتخم بالحرمان؟ كيف تقاوم ميلها الجارف نحوه؟..
فهو من أحبته، وآثرته دون غيره ممن تهافتوا تحت قدميها، هو من أجج في قلبها مشاعل الحب ليخفق باسمه؛ فتنام على صورته، وتصحو على نبرات صوته، هو من مَلك جوارحها، وتسلل إلى أعمق أعماق قلبها ليسكن دمها، هو من حرك داخلها آلة الحب الصدئة، وأشعل خلجات نفسها العطشى بناره.
لكن صمته وشروده الدائمان جعلاها فريسة لحيرة ليس لها مثيل، جعلا مشاعرها وأحاسيسها تتخبط في تباين مستمر؛ فتارة تكون على يقين بأنه غارقاً في لجة حبها مثلما هي ذائبة في بوتقة حبه، وتارة تشعر من قسوته المُصطنعة، وحدته المُفتعلة، وجفائه الذي كان يتكبد مشاقاً هائلة في سبيل إظهاره أن بينها وبين قلبه ملايين المسافات.
وعلي حين غرة.. وبينما هي حالمة تهوم في أجواء حبه؛ داهمت ملامحها انفعالات حادة حين تذكرت أنه قد حقق حلمه القديم ورحل.. حلمه الدائم بالرحيل قد تحقق أخيراً.
إلى أين؟... لا تدري. كيف؟... أيضاً لا تدري. متي؟... ربما في اللحظة التي علم فيها أن حبه لها حقيقة تنبض في صدره، وليست سحابة صيف كما كان يعتقد، وجاءت اللحظة وهرب منها إلى الأبد وهي ذاهلة.. تتأرجح بين غصة الكتمان، ومرارة الإفصاح.
***
لم تكن تدري أنها تسكنه، تسبح في عقله ووجدانه ومشاعره، لم تكن تدري أنها سحرته من أول لحظة إرتشقت فيها عينيها بعينيه المُغيبة في عتمة الواقع ومرارته، ملأت خواء صدره الخرب بإحساس طالما احترق شوقاً إليه، ألهبت وجدانه.. أشعلت النار في عواطفه التواقة للحب، جعلته يرحل في براح إشراقها ونضارتها مجتازاً لحدود الزمن، عابراً فوق الآمه وأحزانه.. وهى لا تدري.
لا تدري أنه يشعر في اللحظات التي يقضيها بجوارها أن العالم قد خلا من أهله، وأن الزحام قد فض من حولهما، وأن عمره بطوله وعرضه هو فقط تلك اللحظات.
أحبها بكل فرائسه، ودخل أسرها منساقاً أمام قوة لا تُقاوم، فكانت أول من سكن قلبه، واستقرت تتفيء ظلال إحساسه الدفيء.
تكسرت فوق أهدابها عزيمته، واعترف لأول مرة بالهزيمة التي لم تعرف إلى قلبه سبيلاً من قبل.
كان يشعر وهي بعيدة عنه أنه غائباً عن الوجود بلا معنى، أن أحاسيسه تبلدت، وقلبه لم يعد يخفق، أن نظراته تندفع عشوائياً بغير هدف تبحث عنها، أن الطعام ليس ذا طعم.. والنوم ليس له جدوى.
ورغم ذلك، ورغم تلك العاطفة التي كانت تجيش بقلبه؛ آثر الهرب، آثر أن يطوي القلب على أسراره، ويُخفي آتون حبها ليحرقه وحده، آثر ألا يعذبها معه، ألا يتناول يدها ثم يتركها في نصف الطريق، آثر أن تزيد عذاباته واحدة، وأن يسكن صحراء الوحدة بعيداً عنها.
احترف الهرب حتى من نفسه.. فكان يخرج وحيداً بلا هدف ولا وجهة تستقبله، يقفز في سيارة لا يدري إلى أين تأخذه؛ ينظر عبر زجاجها فيراها أمامه تحدثه وتجري ملامحها بطول الطريق، يجلس أمام البحر الهادر الخفاق فيراها تلوح من بين الأمواج، يقف صامتاً واجماً شارداً بينما عبيرها يتهادى مع شلال الماء المندفع عبر الصنبور، يغلق عينيه فيراها تتمايل في براح العتمة.
شيء لم يصدقه،.. لم يصدق أن هناك امرأة تحتله، أن هناك امرأة جعلته كالمجذوب في حبها لا يرى سواها. ولا يشعر بغيرها.
***
حين همست تبارك يوم زواجه نظر في عينيها بعمق، وحملق في ذلك الشيء المهيب ثم أغلق عينيه، وصّر على أسنانه بعنف، ود أن يصرخ في وجهها ويبوح بمكنون صدره، لكن القدر ألجم لسانه، وكبله فسكت على مضض.
أخفى تلك النيران التي احتدمت في صدره، أخفي ذلك البركان الذي ثار في قلبه، ووارى عن أعين الناس عيناه، لكنه لم يصمد طويلاً.. هزمته الحقيقة فصدقها مبهوتاً، وراح يتأرجح بين غصة الكتمان.. ومرارة الإفصاح.
25/08/2008
همهمات.. في جوف الليل
أيا جاري في وحدتي
من لي سواك خليلٌ وجار
من لي سواك يرحم زلتي
وأرمي على بابه همومي ولوعتي
أيا ملاذي في غربتي
أتيتك بقرآن وإنجيل وأسفار
أتيتك ضالاً في مداري
وهل بسواك يستوي المدار
أتيتك غريباً على بابك أرتجي عفوك
وأبكي في جوف ليلك من ذنوبي
أنهاراً وأنهار
***
يا عُدتي في غُربتي
ويا ونيسي في وحدتي
ويا زادي في سفري الطويل
كيف السبيل إلى جنابك؟
كيف أستقبل جلال وجهك؟
وذنوبي طوق جاوز المستحيل
إلهي.. إن لم ترحم عبدك العاصي
فممن سواك أبتغي الرحمه
والعفو
والمغفرة
إلهي بدموعي اناشدك
وبنور وجهك الوضاء أسأك
وبعظيم قدرك اتضرع إليك
فأنت سبحانك مالك الملكوت
أنت الواحد الحي
وكل ما دونك يموت
***
إلهي...
ها أنا أشكو إليك فاقتي ومهانتي
وهواني على ناسي
ها أنا آتيك زاحفاً
مثقلاً بذنوب غرَّها حر أنفاسي
ورحمتك التي وسعت كل شيء
أنا منك وإليك
ادعوك بكل اسم هو لك
لا ترد الضعيف خاسراً
إلهي..
من سواك أدعوه إلهي
من سواك عزتي وملكوتي وجاهي
لك وحدك أرخت هامتي
وأزللت طاعتي
فلا ترد بابك المفتوح في وجهي
***
يا واجد كل موجود
ويا باريء الأنام
أدعوك في هذا السكون والبرايا نيام
هزني الشوق إليك يا ذا الجلال
فهل آن الأوان لينتهي الترحال؟
أم أنك تُمهلني
إلى غريب يتجهمني
إلهي..
سمعتُ الحصىَ يُسبح بحمدك
ويستحضر قدرتك
وأنا الغافل المغرور
جئتك مهاجراً من عيوبي وآثامي
ذنوبي مطيتى
ورحمتك بُغيتي
فارحم غريباً يرتجي عفوك
وينوح على بابك
***
إلهي..
غرني عفوك الذي شَمل من كفر بك
فكيف من آمن أنه لا إله غيرك
مولاي وسيدي..
أنت المأمول والسند
منيتني برحمتك.. ف
لا تخالف موعدي كيف السبيل إليك؟
فأنا الضال المُهتدي
كيف اناجيك في ليلك الشاخص؟
وبين الحنايا.. غابت عُدتي
كيف أبوح لك بمكنون صدري
وأنت تعلم خائنة الأعين
وما تُخفي الصدور
يا خير مسئول.. وأكرم مأمول
رفعت لك شكواي
فهل ترد المشتكي؟
***
إلهي..
غرتني الدنيا بالدنايا، والتشاغل بالعمل
بلا أمل
أرأيت إن كان عمري ردحاً
فهل لا يكون من بعده أجل؟
والله أنت العالم أن أجلي منك قريب
وفوق قريحتي لك عليّ ألف ألف حسيب ورقيب
فيا من أمرك بين الكاف والنون
استحلفك بعظيم جلالك
وجلال عظمتك
أستحلفك بعدد ما كان وما كائن وما سوف يكون
أن ترحم عبدك الضعيف
فمن سواك في الشدائد يُرتجى
ومن سواك يكون له المُلتجى
***
مالي قد شُغلتُ بجهلي؟!
عنك يا ملجأي وموطني وأهلي
نهبني الطاغوط فأقصاني
منك إلى زيف الدانية
والذئب يا مولاي
لا يظفر من الشاة إلا القاصية
أسألك بهول يوم القيامة
واستجدي عفوك بنفسي اللوامة
أن ترفع سيئاتي عنى
فأنا البعيد عنك
غير أني
جئتك بملء الأرض رغبه وتمني
فهل ترد عبدك الأوَّاب
داخراً بملامة؟
***
إلهي..
تجلى نور عفوك للخاطئين وانجلى
وبدَّل فيهم القُرب ما بدلا
وأنا بحضرة جلالك
أسألك العوذ من النار
وظل عرشك في يوم تشخص فيه الأبصار
وفتح من لدنك لأبوابك المقفله
إلهي..
يا قيوم السماوات والأرض
يا حاتم الحتم وفارض الفرض
إقض ما أنت قاض
واعفو عنى
واغفر لي وارحمني
يا صاحب المَنَّ والجود
يا غافر الذنب وكاشف الكرب
10/07/2008
بالأمس رأيتكِ في أحلامي
كنا نرقص.. نرقص في الشوارع كالمخمورين، وكنت غضة، نضرة، تغار منك الورود التي كانت منقوشة فوق فستانكِ الوردي الفضفاض.
نعم.. كنا نرقص، رقصات مجنونة، وكأننا انفلتنا للتو من زنزانة الكبت والحرمان..
كنا نرقص.. هذا كل ما أذكره، لكني استيقظت وفوق ثغري ابتسامة رضى عجيبة.. تحولت بعدما تذكر بعض التفاصيل الغائمة إلى ضحكة متوارية خلف شفاهي.
ملامحكِ كانت تداعب نظراتي، وكنت لا أشعر بوزني وكأن الجاذبية قد انعدمت فوق سطح كوكب خرافي هائماً في سديم الكون، عدد سكانه يساوي اثنان.. أنتِ وأنا، وزهرة برية.. تلمع في الفضاء البعيد.. تعكس ضربات اليأس الموجعة إلى نفحات عطف وهدوء.. وعصف بالضحكات موبوء.. وعمرِ جديد.
نازعتني أفكاري المشتتة، وذكرياتي المتضاربة بين دهشتي وجنوني، وسؤالي الحائر لعيون لم تراكِ إلا الآن بينما كنتِ أمامي منذ عشر سنوات متوارية خلف قصص الحياة الماجنة، وتقارير اليأس المتوالية فوق سيفي الخشبي المتصارع وطواحين الهواء.
نعم كنا نرقص.. رغم أني لست من هواة التعبير عن السعادة بهذا النوع من الفن، فلماذا رأيتكِ على هذا النحو متمايلة مع النسمات بين يداي تارة إلى اليمين.. وأخرى إلى اليسار؟
كنتِ كطفلة ذات الجدائل.. تجري خلف بالونها المزركش، بينما أعالج أنا سكرات موت حياة حفها طمع الرجاء ودق نفير الرحيل، وأعلنت الهجرة موعد الارتحال إلى غد يملؤه صوتكِ العذب، وضحكاتكِ الساحرة، إلى مهد بين يديك يتأرجح بأضواء باهرة، إلى بوابة زمنية مسطور حروفها في دفتر المقادير بنقوش إغريقية.
بالأمس رأيتكِ في أحلامي.. واليوم أرى أحلامي متمركزة كجيش من المومياوات التي أعادت لها الحياة ترنيمة كانت منقوشة لآلاف السنين فوق جدار الذكريات الرابض في قاع المحيط.
بالأمس رأيتكِ في أحلامي.. واليوم أرى أحلامي بين عينيكِ التي طالما مدت جسورها نحوي، وأنا غافلاً أمد الطرق في صحراء جدب لا يسكنها سوى الضباع والأفاعي، والأشباح الحائمة،
في ليل سرمدي .. لعهود آثمة.
04/07/2008
كش ... مات
الوزير الأسود في وجه الملك العجوز، يالها من مواجهة عصيبة.
الفيل يحتل الوتر الأبيض، والرخ على رأس عمود الملك الكهل لا يفصله عنه سوى بيدق ضعيف سلاحه الوحيد حزام ناسف حول خصره.
الحصان يتكاتف مع ملكه ويشكلان خطراً داهماً من الجهة التي كان يوجد بها الوزير الأبيض الراحل، والمأسوف على أمره.
ياله من موقف عصيب،.. وغريب في ذات الوقت، بداية الدور لم تكن تنبأ أبداً عن النهاية التي آل إليها، قطع الأسود تحاصر الملك العجوز الواقف خلف فلوله وكتائبه عاجزاً عن رد هذا الهجوم الماكر.
حدق في رقعة الشطرنج.. وتطلع إلى قطعه المتهالكة والمنتشرة بلا فائدة كغثاء السيل، وبكل العافية الباقية في ذراعه الواهن، وبكل الشجاعة التي وهبه الله إياها مد أنامله المرتجفة والتقط الملك، حاول أن يخفيه بعيداً عن فوهات المدافع، وقصف الطائرات، وقناصات العدو، حاول أن يقصيه بعيداً عن أذرع الجرافات قبل أن تهدم قصره فوق رأسه.
حاول.. لكنه فشل، في سرعة البرق تحرك الوزير الأسود بضع خطوات قاتلة..
- كش مات
حدق في الرقعة مرة أخرى وراح يتأمل.. أربعة وستون مربعاً ولا مخرج؟.. مستحيل.. لابد أن يكون هناك حل..
اعتصر تفكيره حتى النخاع دون طائل، لكنه رفض الاستسلام، وبداخله شعور دفين بأن هناك مخرج ما لكن عيونه لا تراه.
غريمه يبتسم في غرور وزهو، عاقداً ذراعيه أما صدره، منتشياً بالنصر الذي ساقه الحظ إليه، وبات وشيكاً إن لم يكن قد تحقق بالفعل، وصاحبنا مازال غارقاً في أفكاره وأوهامه بالمخرج المذعوم..
حاول الابتعاد بأفكاره قليلاً عن الدور في محاولة للهدوء والتركيز أكثر، أشار إلى نادل المقهي يستعجله بالمشاريب، ثم التفت جهة اليسار يتطلع إلى قسماته وملامحه التي تطالعه فوق صفحة إحدى المرايا التي تلف حوائط المقهى.
لم تعد في رأسه شعرة واحدة سوداء، التجاعيد أصبحت كالموج الهادر في بحر وجهه الذي نهلت منه السنين ما نهلت، أخرج من جيبه صورة فوتوغرافية قديمة..
جسداً ممشوقاً يافعاً، وذراعان تنفر فيهما العضلات، وملامح وسيمة تفيض بالشباب والحيوية، وامرأة فاتنة تتأبط ذراعه.. ابتسم في سخرية وقال:
- كان زمان .
باءت محاولته للهدوء بالفشل، فشرع يقلب في مخزن ذكرياته عله يجد شيئاً مفرحاً..
- هنحارب.. هنحارب..
لا يدري لمَ راح يتردد هذا الهتاف في أذنيه، هو.. محمولاً على الأكتاف.. يهتف والجموع من خلفه.. هنحارب .. هنحارب، مرارة هزيمة يونيو مازالت في حلقه، ونشوة الانتصار لم تعرف إلى قلبه سبيلاً، مات عبد الناصر.. مات الرجل الذي كان إذا تكلم.. صمت الجميع، صوت العندليب.. مازل يملء مسامعه:
- مين اللي قال كنتِ بعيدة عنى .. وانت اللي ساكنة في سواد النني.
عبد الراضي.. صديق عمره الذي راح شهيداً على أرض سيناء.، محاسن.. حبيبته وزوجته وأم أولاده.. لم يعجبها الحال، أخذت الأولاد وذهبت إلى أهلها في الصعيد.. قالوا له:
- لو حاولت تقرب من الأولاد هانكسر رجلك.
العلم المصري يرفرف فوق أرض طابا.. والعلم الإسرائيلي يرفرف في قلب قاهرة المعز.. لم تغير الهتافات شيئاً.. ولم يعثر في صندوق ذكرياته على شيئاً مفرحاً يُساعده على الخروج من حالة الضيق التي كان يعالجها في تلك الأثناء.
تنبه غير واعِ على يد تربت على كتفه، أعقبها صوت أجش:
- موقفك عصيب.. انصحك بالاستسلام..
دوت كلمة الاستسلام في اذنيه كأنها قصف رعد، التفت إلى صاحب الصوت الذي همَّ بالجلوس مسندا عصاته إلى حافة الطاولة متسائلاً:
- مع من تلعب اليوم؟
فنظر صاحبنا نحوه واليأس يطل من عينيه وقال:
- مع نفسي.. ورغم ذلك.. كما ترى.
ابتسم صديقه وقال بنبرة بحاء:
- هيا بنا نستنشق بعض الهواء.. واترك هذا الدور.. فإنه منتهي.
فكر قليلاً ثم هز رأسه إيجاباً على مضض، تناول عصاته.. وهمَّ بالنهوض. لكن نظرة أخيرة على رقعة الشطرنج جعلت عيناه تلمع في ذهول.. فصرخ:
- ها هو المخرج....
28/06/2008
لحظة سلام بعد قنبلة ذرية
تعلمت الحب في مدن الجن والعفاريت والهوام والزواحف، وخطوت إليكِ أجر خطواتي المنكسرة، وأشحذ عقلي التائه في بحاركِ المُغرقة..
كيف خطوت إليكِ بقلب أضناه رميم الذكريات في دروب الملح والماء الأجاج؟.. لا أدري.
هل كنت أبحث عن نفسي؟.. عن ذاتي المُغيبة؟.. عن قلبي المتفرق دمه بين القبائل بلا ثمن أو ثأر؟.. أم مضيت في رحلتي الطويلة أبحث عن عينيكِ لأتعلم منهما معنى الحياة؟
يا نجمة شعت في سمائي الحالكة، فبثت لي روحي من جديد، وعانقت الأمل في حروفي المهزومة..
سخافات العمر تحطمت عند أبواب صرحكِ.. واكتست الحياة بلون جديد.. مُفرح بعد سنوات الشتات المُهلكة، فكأن موج البحر ودّع ركوده، ولفظ الطحالب التى سكنت رماله، ثم عاد يهدر يخبرني أن قوس قزح ملوناً وليس رمادياً كما كنت أعتقد، حتى الزهور والرياحين وجداول الماء العذب أصبحت يانعة، أضحت مُبهجة بعدما كنت على وشك أن أخلط بينها وبين القبور التي تحتضن هيكلي العظمي.
تعلمت الشوق في مدارس الخداع، وجئتكِ بكراس مليء بالشيفرات المُبهمة، والدراجات النهائية، فكيف استطاعت همساتكِ الدافئة حلّ هذه الشيفرات بسرعة البرق، وحذف كل الدرجات الواهمة، وفتح صفحة ناصعة البياض يملؤها اسمكِ، ورسمكِ، وشوق عينيكِ للقاء؟
وصفتكِ للبحر حلماً بحثت عنه عمراً.. وسيفاً ورمحاً عانقتهما أمراً، يا كل نساء الأرض في جسد واحد.
تعلمت الزراعة في سبخته مالحة.. كالحة.. وانتظر كالمعتوه أن تثمر بذور المحبة، فما أثمرت إلا أشواكاً أدمت شغائف قلبي، وما داواه غيركِ بحروف أثلجت ناره، وبددت ظمأ السنين العجاف.
كل ما سواكِ خلاف في خلاف.. حرب شعواء تعشق الدماء.. يا لحظة سلام بعد قنبلة ذرية...
وأفتح عيني.. وأرسم على شفتاي ابتسامة نصر زائف ساقه حُسن الطالع.. وآه من طمع الإنسان.. وآه من جشعك يا قلبي.. هلا أكتفيت بأنها أعادتك بين ضلوعي؟ وأصبغت الدنيا بلون البهجة؟ أم تطمح في الخلود بين نظراتها، وفي عينيها التي علمتك سر الحياة؟
ادعو ناديك.. ادعو كل الفوارس.. اطوي الصحاري والجبال وابلغ بوهمك صرحها.. واسأل.. من على أبواب القمر تنزه.. ومن بين النجوم صال وجال... هل وصل؟؟
مُحالٌ محال..
21/04/2008
ديمومة العشق في زمن الرحيل
راحل أنت يا قلبي.. إلي آخر حدود الكون، راحل وزادك حبها الساكن في جوفك.. النابض في روحك.. الصارخ في أبعاد الرحلة، ولكن.. هل يشفي الرحيل غليل المرتحل؟ أم أنك تنتقم منها.. ومني.. ومن نفسك؟ تكابد ديمومة عشقها القابض علي خلجاتك، وخفقاتك، ونبض عروقك الرادخ للحقيقة.
تعاني ويلات بعادها، وصلابتها، وعنادها، وقسوتها عليك.. وعليّ.. وعلي نفسها. أرح نفسك.. وأرحني.. وأرحها فحبها سرمدي الوجود في أحشائك، وكأنك من يوم خُلقت وأنت تبحث عنها، تبحث عن مُحتلك.. عن سجانك.. عن جلادك ولا تدري أنها أخذتك سجنها، ومُحتلها، وجلادها فصارت سجن داخل سجن.. وجه يًطل من خلف القضبان، ينادي.. يتوسل.. يصرخ... لا تستعجل الرحيل.
لكنك حين الفت.. لم تر أحداً فرميت حقيبتك وجلست مكانك حتى انقطع طريق العودة، فلا الرحيل كان.. ولا استطعت للرجوع سبيلا.
من حقك أن تحترق شوقاً لرؤياها.. أن تنحي الواقع جانباً وتهيم علي وجهك في بلادها البعيدة تبحث عنها.. ولكن... كيف تبحث عن وجه لا تعرفه؟ وعيون لا تراك.. أو تراني.. أو تري نفسها؟
فيا قلبي، وحبيبي، وفرحي من الدنيا.. هل تسعد حين تراني أحترق دونك؟ أم أن راحتك في بقائي هكذا أشتاق إليها للأبد حتى أموت على قدماي كالنخيل؟
ليتني أستطيع أن أقبض على كتفيها.. انظر في عينيها بعمق قبل أن اصرخ بكل ما يود أن ينطلق من قلبي ثم أموت بعد ذلك.. لا يهم .. وفي أحضاني صورتها.
14/03/2008
شيء اسمه المستحيل
وسط سكون مهيب.. فتحت عيني لكني ألفتها مازالت مغمضة، لا ترى سوى ظلام دامس يلف كل شيء حولي. توهمت أنها ظلمة المكان أو ظلمة الزمان، قمت متخاذلا فأشعلت شمعة جعلت تتلألأ بضوء ساحر كجندي أعزل يحارب وحده جيش من فضاء معتم، بيد أني تنبهت أن الظلام لم يكن ظلام المكان أو الزمان فحسب؛ بل أن عتمة ما بين لحمي ودمي فاضت لتعلوا فوق ظلمات العالم بأثره.
وجدتني هائماً بذكريات جميلة حلقت بي فوق نجوم السماء، قبل أن يرتشق خنجر الواقع فجأة بين أحشاء قلبي ليوقظ غفلتي.
تنبهت غير واع ِ إلي غبشة ما استطاع ضوء الشمعة الضئيل أن يظهره، اكتشفت أني سجين داخل جسدي المفلس اليائس الضعيف، رَنت عيناي نحو الأعلى ورحت أتضرع إلى الله أن يمنحني القوة، لكن أي قوة كنت أشتهي؟ قوة العقل..؟يالتعاستي وشقائي؛ خلقه الله حصيفاً كاملاً متكاملاً بلا اعوجاج ثم أطلب منه المزيد، بينما روحي خراب ينعق فيه البوم، وحواسي مفلسة، وقلبي.. أوهن من بيت العنكبوت.
أطلب منه قوة العقل بينما أنا سجين داخل جسدي أتعني من فراغ الأيام ووحدة الليالي الطويلة، محاط بحب المستحيل، وبكل صنوف اليأس التي من شأنها أن تمنحني أقوي احتمالات السقوط، محاط بكل ما هو خليق أن يجعلني عن عمد أحرر روحي من براثن هذا الجسد الثقيل لتحلق في أجواء عالم لا تدركه الأبصار.
كنت أغفوا وأفيق، ثم أعود فأغفوا وأعود لأفيق.. مراراً وتكراراً، كل مرة كنت أنسحب في دوامة هائلة ليس لي سبيلاً للفكاك منها فأسلم لها نفسي سريعاً لأنزلق في بحر لجي من ذكريات الماضي البعيد تارة، وتارة أخري أسبح بين أحداث ساعات مضت.
تلاطمت الخواطر كأنها موج بحر هائج تحت عنفوان عاصفة.. وراحت تتحطم الواحد تلو الأخر في مشهد سقوط دموي لم أر مثيلاً له من قبل حتى انهار الجميع إلا واحداً ظل شاخصاً متحديا الانكسار كفارس مدججاً بسلاحه، رابضا خلف الواقع.. عند أخر حدود التصور.
هو الحب الذي يعتمل في كل ذرة في جسدي، ويسبح مع كل قطرة من دمي. الحب اليائس الذي كثيراً ما يداهمني كمارد جبار لا تقوي روحي الخربة ولا حواسي المفلسة أن تجابه سلطانه وسطوته التي فرضها عليّ منذ أول يوم رأيتها فيه سابحة بين مجريات أحداث أحلامي، فكأني كمن ضل طريقه في البيداء وظل كالمجذوب يبحث عن شيء لا يعرفه.. وحين وجد صوب ناظريه واحة ضرب رأسه براحته صارخاً.. لقد كنت أبحث عن واحة، ثم اندفع إليها ليجدها كالعادة.. سراب يحسبه الظمآن ماء، فسقط مغشياً عليه أقرب للموت منه إلي الحياة.
انبلج الفجر سريعاً، وفاض الضوء شيئاً فشيئاً ليبدد ظلمات العالم ويعلوا فوق ضوء الشمعة التي كانت في تلك الأثناء تعالج سكرات الموت بعدما أنهكها الصراع، لملمت جناحاي وعدت إلي أرض الواقع لأجدني أمام جيش من الأسئلة، رابضة عند طرف النهار حائرة، انهالت عليَّ من كل حدب وصوب وأنا عاجزاً عن رد هذا الهجوم المباغت.
هربت إلي بعض ساعات نوم لتساعدني في مواجهة يوماً جديداً أحياه معصوب العينين بالوهم، تدور قدماي حول بعضهما البعض وفي وهمي أني أندفع.. أطوي المسافات إليها عبثاً، وكأنها شيء اسمه المستحيل...أو هي المستحيل ذاته.
06/03/2008
أحزان شجرة الليمون
في الأصل كان السؤال.. والإجابة عدم، حتى وإن طال المقال فالقول قتل.. والقتل دم.
تتحاشاني، تتواري عن عيوني، تتأفف من جراحي.. والجرح همّ.. همّ يطول أو ينتهي، يتعاظم أو يموت.. فمن يهتم؟ تراني كالطير سابحاً في ملكوتي أغني ولا تدري.. إن كان لفرح يجتاحني أم لألم؟
فيا غريباً طاولت يداه غريب، قالها أمرؤ القيس يوماً.. كل غريب للغريب نسيب.. هل تحلم أن تراني ضائعاً؟ أن تراني راحلاً؟ أن تري شمس عمري تغيب؟ هل تحلم أن تلملم جراحك وعلى جراحي تعيب؟ ألا تدري أنك فرحي من دنيتي وهمي؟ ألا تدري أنك أعتي هواجسي وظني؟ ألا تدري أنك في حياتي شيئاً عجيب؟
ويبقي في الأصل السؤال، والإجابة عدم.. فمن أكون أنا أو أنت في تاريخ الأمم؟ صوت تحرك من قلب لفم؟ أم كلمة صماء يفهمها عرب وعجم؟ من أنا أو أنت في هذا الملكوت؟ قلب تحرر، وآخر يموت؟ شرك بناه فراشاً ليسقط فيه عنكبوت؟ أم حلم كتب الحياة بنغم؟
ألا ترى أحمالي وأثقالي؟ وعجيب دنيتي وغريب أفكاري؟ ألا ترى كم قتل جيش لا... من جيش نعم؟ ألا ترى أني غريباً في المكان، مسافراً في الزمان؟
قل أني واهماً.. حالماً.. أو حتى مجنون، قل أني جاهلاً معصوب العيون.. ولكن قل لي: هل جربت الموت في سكون؟ هل وضعت يداك على سر مكنون؟ هل عرفت يوماً أحزان شجرة ليمون؟
من أنا أو أنت في هذا الكون الفسيح؟ قلب جارح.. وآخر جريح؟ أم حلم تائه بين تلميح وتصريح؟
أو تدري من القاتل ومن المقتول؟ أو تدري شوق العنقاء، ولهفة الغول؟ أو تدري أين الراية.. وأين العلم؟ أو تدري أنه في الأصل كان السؤال.. والإجابة عدم؟
02/03/2008
روح .. حائرة

لم يكن يدري أنه سيصير روح حائرة تجيش بأغوارها الأحلام، لم يكن يدري أن الأيام ستعود لتنتقم لِما اقترفه من ذنوب وآثام، لم يكن يدري أن شغائف قلبه الحزين سوف تدفع به يوماً لآتون تلك الحيرة القاتلة، حتى سأم حياته، ومل طول الانتظار..
راح يتمني النهاية، يشتاق إليها حتى وجد نفسه قد مكث في ظل شجيرات عمره العارية، يهرب من شمس أيامه الحارقة.. دون جدوي.
بقايا عمره تلوح له، تخايل عيناه، بينما رفات الإنسانية تسكن صدره، ونفايات الأمل تركض داخل أغواره، نظراته المنكسرة راحت ترحل في ذلك الأفق الممتد الدامي المتخاصر وأطراف الغيوم الداكنة، غافلاً عن روعة أمواج البحر التي تهدر تحت قدميه.
تذكر يوم أن رحل الحب، وجاء القدر يجثم على قلبه ويطلب منه فراق روحه وأحلامه وكل آماله، لتقف أعباء الحياة بعد ذلك حائلاً بينه وبين من أحب، حتى مرت تلك الأعوام، وفرقت بينهما ملايين المسافات.
عاش يحلم باللقاء، يبحث عن تلك العيون التي غاصت في دوامة الرحيل بلا رجعة، وفجأة..بدأت عيناه ترحلان نحو شيء ليس له وجود، ليشعر أن قدماه تنوءان بحمله، وكأنه شبحاً غاب عن الواقع فغاص في لجة المستحيل، احتواه الشرود كثيراً، وعندما حان التفاته وجدها أمام عينيه.. تنظر نحوه في لهفة كأنها ملاك حط رحاله، واختار حبه الأول سكناً وبيتاً وعنوان.
بقي ساهم النظرات إليها، هائماً بطيفها الساحر، مسافراً فوق عبيرها الفواح، حتى حثحثت الخطى إليه، وراحت تقاوم دمعة حارة قبل أن ترتمي في أحضانه قائلة بصوت مشروخ تتخلله بحة تنطوي على مزيج من الحزن والألم:
- أتلك هي نهايتك؟ روح حائرة؟انقبضت أسارير وجهه، وراح الحنين يطل من صوته الهامس:- بدونكِ.. كل شيء حائر، الدنيا كلها في عيني حائرة بلا هدف.فملأت صدرها بنسيم البحر قبل أن تتساءل:- والآن؟عرفت بسمة مهاجرة طريقها إلي شفتيه قبل أن يتمتم :- والآن.. أنا لا أصدق أنكِ بين ذراعاي، لا أصدق أنكِ هنا، لا أصدق كيف أن حبك لم يغادر مرفأ قلبي، لا أصدق أني مازلت أحبكِ كل هذا الحب، أشتاق إليكِ كل هذا الشوق، لا أصدق أن تلك السنوات التي مرت لم تغير ساكناً داخلي، لم تغير صورتكِ في عيني، الآن أنا لا أصدق أني أتنسم عبيركِ مرة أخرى.. أحلم هذا أم حقيقة؟
فتسللت من بين ذراعيه، وعادت إلي الوراء. ظلت تتطلع إليه بنظرة من أخذ منه الشوق مأخذاً، وبلغ به الحب مبلغاً، ثم ابتسمت قائلة:- بالطبع حلم....
فعاد من شروده، وراح يتلفت حوله مستفرداً، مستوحشاً، يتراقص الهواء في صدره، والماضي في قلبه، قبل أن يمضي حائراً.. تجيش بأغواره أحلاماً.... لن تتحقق.
27/02/2008
أحلام على باب القمر
عجباً لك يا قلبي..!
كيف وصلت إلي هناك..
وكفك مملؤة بالخرافات..
والأبواب موصدة؟
والأحلام عاريات من كل معاني الأمل..
فما العمل؟
هاجرت كل الأفئدة
والأمنيات السائدة في زمان الزيف..
أوهام على باب القمر
نصيبك من هجير أحلامك سهادِ وسهر
وآلاف الأقنعة
جاحدة.. جاحدة
مرايا فاردة..
أشرعة اليأس في وجهك المشدود على باب السفر
الممدود على وتر
الممهور بأحلام شاردة
باردة.. باردة
امنيات المارد في جزيرة الأقذام
وسراديب الأشهدة..
عجباً لك أيها المهاجر
في بحر بلا شاطيء
وسط أمواج ثائرة
هادرة.. هادرة
رغباتك المكنونة..
وصفاتك المصونة خلف ملامح كاسرة
عجبا فأنت مني.. شيئاً غاب عني..
حلم قتله التمني..
ورغبة الضجر.
26/02/2008
موسم الهجرة
حينما يخامر قلبه شيء من الهدوء، والطمأنينة.. هدوء المرتحل إلى مصيره المحتوم، وطمأنينة المُهاجر في قفر تيَّه، ونيسه الأفاعي والذئاب، وعالم مليء بأصوات غائمة، قد تنهب منه الطريق، قد تخطف منه راحلته، وتسرق من عينيه البريق، حينها.. هل يستفيق؟
حينما تهتز خطواته كخطوات السكارى، فما يلبث أن يسقط سقوطاً مدوياً بعدما ترك براح طريقه الذي رسمه بإلهام وانعرج إلى دروب حيرى.. فائقة الضيق، يبكي رميم ذكرى ملاك عاش بداخله، وينعي أوهام طاغوط متجبر منمق وأنيق، حينها.. هل يستفيق؟
أقرب الأشياء إلى جسده الممزق قلبه الخائر، وأبعد الأشياء رفيق رآه في أحلامه فتمناه بقربه واحترق شوقاً إليه، أمُاً على صدرها يبكي مراره الأيام، وأباً على أبوابه تستكين غربته، ولكن إذا فريقاً عذبه، وسلب منه الحياة فريق، حينها.. هل يستفيق؟
كل شيء بلا ريب يمضي، وكل شيء يموت.. كل الأشياء بعد العمر إلى ظلام تنتهي، فأين عمره السريق؟ أين رفيق الدرب؟ إن كان أول الفارين منه وقد رآه غريقاً، حينها.. هل يستفيق؟
إليكِ عنه يا مواسم الهجرة، يا دروبه الحيرى.. إليك عنه يا حزن عمره العتيق، وكفى رحيلاً إلى مدائن الأحباب، فمدائن الغريب تفتح ألف طريق، فهل يستفيق؟ أم ستبقى عيناه إلى مثواه مُعلقة بالسماء، ترقب الطيور المُهاجرة من كل جنس، وهو على الأرض جريحاً مهيضاً يرسل زفيراً حاراً.. فلا يعود إليه الشهيق؟
الاشتراك في:
التعليقات (Atom)














